محمد أبو زهرة

2219

زهرة التفاسير

المسيح من دعوة البشر إلى الخير وإلى صراط مستقيم فالإنجيل بإضافة هذه الخاصة إلى سابقتها يكون مشتملا على أمرين : أولهما - تقرير للحقيقة الثابتة الخالدة ، وهي وحدانية الله تعالى في الإنشاء والتكوين ، والذات والعبادة . وثانيهما - أنه مرشد إلى مكارم الأخلاق ومنير العقول لإدراك المستقبل ، ويدخل في ذلك بشارته بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو « البارقليط » كما جاء في نسخة متى ، وكما قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام : . . . وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . . . ( 6 ) [ الصف ] . والخاصة الثالثة - وهي وصف لذات الإنجيل ، وقد ذكرها سبحانه بقوله تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ . أي أن الإنجيل قد كان بذاته مصدقا للتوراة من حيث صدق نسبتها إلى الله تعالى قبل تحريفها ، وقبل أن ينسوا حظا منها . ولا تكرار في وصف التصديق ؛ لأن ما ذكر أولا كان وصفا لعيسى - عليه السلام - إذ قال سبحانه : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً . وأما ما ذكر هنا فهو وصف للإنجيل نفسه ، وكأن التصديق من جانب عيسى - عليه السلام - للتوراة جاء من ناحيتين ، من عيسى ، ومن الإنجيل ذاته ، وتلاقى التصديقين يفيد إقرار أكثر أحكام التوراة الاجتماعية والقانونية ، ويفيد أن رسالة الرسل متصلة موصولة ، حتى يختمها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو خاتم النبيين ، وآخر لبنة في صرح الرسالات الإلهية . والخاصة الرابعة - وهي من صفاته الذاتية أنه هو ذاته هدى ، وسبب وصفه بهذا الوصف بعد ذكر أنه قد اشتمل على هدى ونور هو استمرار الهدى له ، وللإشارة إلى أنه منزل من عند الله تعالى ، وهو بهذا الوصف يكون فيه دلالة ذاتية على الحق ، ولأنه بشارة بنبي يرسل من بعد عيسى اسمه أحمد ، وكان الهدى في هذا المقام وصفا ذاتيا ؛ لأنه مأخوذ من اسمه ؛ إذ إن الإنجيل معناه البشارة ، ولعله سمى إنجيلا ؛ لأنه الكتاب المنزل الذي كان فيه البشارة المباشرة بمحمد صلى الله عليه وسلم بعبارات إن لم تكن صريحة فهي واضحة كالصريحة .